الجاحظ

129

رسائل الجاحظ

وكون الاستدلال مع عدم الدليل . والعقل مضمن بالدليل والدليل مضمن بالعقل ، ولا بد لكل واحد منهما من صاحب ، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب الآخر . والعقل نوع واحد والدليل نوعان : أحدهما شاهد عيان يدل على غائب ، والآخر مجيء خبر يدل على صدق . [ 3 - أسباب اغفال حجج النبوة ] ثم رجع الكلام إلى الاخبار عن دلائل النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأعلامه والاحتجاج لشواهده وبرهاناته فأقول : إن السلف الذين جمعوا القرآن في المصاحف بعد أن كان متفرقا في الصدور ، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد بعد أن كان غيرها مطلقا غير محظور ، والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان ، لو كانوا جمعوا علامات النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبرهاناته ودلائله وآياته وصنوف بدائعه وأنواع عجائبه في مقامه وظعنه وعند دعائه واحتجاجه في الجمع العظيم وبحضرة العدد الكثير الذين لا يستطيع الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل والعدو المائل ، لما استطاع اليوم أن يدفع كونها وصحة مجيئها لا زنديق جاحد ولا دهري معاند ولا متطرف ما جن ولا ضعيف مخدوع ولا حدث مغرور ، ولكان مشهورا في عوامنا كشهرته في خواصنا ، ولكن استبصار جميع أعياننا في حقهم كاستبصارهم في باطل نصاراهم ومجوسهم ، ولما وجد الملحد موضع طمع في غبي يستمليه وفي حدث يموه له ، ولولا كثرة ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا الذين نطقوا بألسنتنا واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا لما تكلفنا كشف الظاهر وإظهار البارز والاحتجاج للواضح . [ 4 - ظهور الحجج صرف عن جمعها ] إلا أن الذي دعا سلفنا إلى ذلك الاتكال على ظهورها واستفاضة أمرها ، وإذ كان ذلك كذلك فلم يؤت من أتى من جهالنا وأحداثنا وسفهائنا وخلعائنا إلا من قبل ضعف العناية وقلة المبالاة ، ومن قبل الحداثة والغرارة أو من قبل أنهم حملوا على عقولهم من دقيق الكلام قبل العلم بجليله ما لم تبلغه قواهم وتتسع له صدورهم وتحمله أقدارهم ، فذهبوا عن الحق يمينا وشمالا . لأن من لم يلزم الجادة تخبط ،